١. المقدمة
في مساء يوم السبت الموافق ١٥ فبراير ٢٠٢٦م (٢٧ شعبان ١٤٤٧هـ)، الساعة الرابعة مساءً بتوقيت مكة المكرمة (الثامنة مساءً بتوقيت غرب إندونيسيا)، تشرّف الأستاذ المشارك الدكتور كياهي الحاج صفوان مناف، الماجستير، مدير معهد دار النجاح الإسلامية، بالظهور متحدثًا رئيسًا في الندوة الافتراضية الدولية المعنونة بـ”أمسية افتراضية مع رائد خبير من إندونيسيا”، التي نظّمها الاتحاد العربي للرواد الكشافة والمرشدات عبر منصة زووم. وقد حضر هذه الندوة بشكل كامل ممثلون عن الدول العربية الثماني عشرة الأعضاء في الاتحاد، وهي: مصر، وليبيا، وتونس، والجزائر، والمغرب، وموريتانيا، والمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، والكويت، وعُمان، والبحرين، وقطر، واليمن، والأردن، وفلسطين، ولبنان، وسوريا، والعراق. وقد دلّ حضور جميع وفود الدول العربية على مدى الاهتمام الكبير الذي يوليه العالم الكشفي الدولي لتجربة المعاهد الإسلامية الإندونيسية في دمج الحركة الكشفية في منظومة تعليمية شاملة قائمة على القيم الإسلامية (Hefner, 2009).
أُقيمت هذه الفعالية تحت مظلّة هيكل مؤسسي متين. فراعية الأمسية هي الرائدة الكشفية الدكتورة ريما دراغمة، عضو مجلس إدارة الاتحاد العربي للرواد الكشافة. وتولّى تقديم الأمسية الرائد الكشفي أيمن عفيفي، عضو لجنة العلاقات الدولية بالاتحاد، الذي ما فتئ يدعم ويُسهّل بناء جسور التعاون بين دار النجاح واتحاد الدول العربية. وأشرفت على الأمسية وأدارتها الرائدة الكشفية الدكتورة لبنى أبو سرحان بصفتها رئيسة لجنة العلاقات الدولية بالاتحاد. كما تولّى التغطية الإعلامية الرائد الكشفي محمد البرناوي، رئيس لجنة الإعلام والتوثيق؛ والإدارة التقنية الرائد الكشفي مهدي رشيد، رئيس فريق عمل التقنية والدعم الفني؛ والمتابعة والتنسيق الرائد الكشفي سالم رجب، منسق اللجان الفنية؛ والإشراف العام الرائد الكشفي علي العلي، الأمين العام المساعد. وقد جرت جميع هذه الأنشطة تحت رعاية القيادة العليا للاتحاد، الدكتور عبد الله الطيجي، رئيس مجلس إدارة الاتحاد العربي للرواد الكشافة.
وفي هذه المناسبة، رافق الدكتور صفوان مناف — الذي يشغل أيضًا منصب المتحدث في المؤتمر العالمي للرواد الحادي والثلاثين في جاكرتا — الأستاذ إمام خير الأنس الماجستير، مدير شؤون رعاية الطلاب والمشرف العام على الحركة الكشفية المسؤول عن جميع الأنشطة الكشفية في منظومة دار النجاح. ويتسم دور الأستاذ إمام خير الأنس بأهمية استراتيجية بالغة، إذ يتولّى مباشرةً تنسيق وإدارة البرامج الكشفية عبر جميع فروع دار النجاح الثلاثة والعشرين، مع ضمان الحفاظ على معايير الجودة بشكل متّسق ومستمر (darunnajah.com, 2025).
٢. دار النجاح نموذجًا للمعهد الإسلامي الحديث
كما أوضح الدكتور صفوان مناف في الندوة، يُعدّ معهد دار النجاح الإسلامية أحد أبرز المؤسسات التعليمية الإسلامية في إندونيسيا، تأسس عام ١٩٧٤م بجذور تعود إلى المعهد العصري دار السلام كونتور الذي انطلق عام ١٩٣٨م (darunnajah.com, 2023). وبوصفه معهدًا عصريًا يتبنّى نظام المعلّمين، اعتمدت دار النجاح منهج تربية المعلمين الإسلامية الذي يدمج بين التعليم الديني الإسلامي والعلوم العامة والمهارات الحياتية في منظومة تعليمية متكاملة تعمل على مدار الساعة (Dhofier, 1999). وقد توسّعت شبكة معاهد دار النجاح حاليًا لتصبح منظومة تعليمية شاملة تضم معاهد إسلامية وجامعة، موزّعة على ٢٣ حرمًا تعليميًا في مختلف المحافظات الإندونيسية، بأكثر من ١٣,٥٠٠ طالب وطالبة و١,٣٠٠ معلم ومعلمة يعملون على أراضٍ وقفية تتجاوز مساحتها ١,٢٩٨.٨ هكتار (darunnajah.com, 2025).
يمثّل مفهوم المنهج الخفي أحد أبرز مكامن القوة في العملية التعليمية بدار النجاح. فوفقًا لكياهي الحاج هاديانتو عارف، أحد قيادتي معهد دار النجاح الإسلامية، يُشبَّه نظام تربية المعلمين الإسلامية بالشجرة الطيبة التي تنمو بالتدريج: فطلاب الصفوف الأولى إلى الثالثة يبنون أساس الجذور، بينما تُطوّر المراحل اللاحقة الجذع والأغصان والأوراق التي تُثمر في نهاية المطاف ثمارًا نافعة للبيئة المحيطة (Arief, 2020). وتشكّل الأركان الستة لبرنامج تربية المعلمين الإسلامية — وهي: تصميم المنهج الدراسي للمعهد، وأساليب التدريس، وتسلسل التفكير، وتربية الشخصية القيادية، والعادات السبع (فرانكلين كوفي)، وتعليم ريادة الأعمال — وحدة متكاملة لا تتجزأ في تشكيل كفاءة الخريجين. وقد أثبت هذا النظام قدرته على تخريج قيادات مؤثرة في المجتمع على مختلف المستويات المحلية والوطنية والدولية، وتعزّز ذلك باعتراف الدولة من خلال القانون رقم ١٨ لسنة ٢٠١٩م بشأن المعاهد الإسلامية (Arief, 2020; Lukens-Bull, 2005).
وفي سياق التعليم المعهدي، طوّرت دار النجاح تسعة مكونات تعليمية متكاملة، وهي: المنهج الدراسي، والإدارة والتنظيم، والمرافق والبنية التحتية، والكوادر التعليمية، والتمويل والميزانية، وإدارة شؤون الطلاب والأنشطة اللاصفية، وخدمة المجتمع والمشاركة المجتمعية، والثقافة والانضباط، وشبكة الخريجين. وترتبط الحركة الكشفية عضويًا بمكوّنَي إدارة شؤون الطلاب والأنشطة اللاصفية من جهة، والثقافة والانضباط من جهة أخرى (Manaf, 2015). وبذلك، لا تقف الكشافة بمعزل عن المنظومة التعليمية بوصفها برنامجًا إضافيًا، بل تتشابك في نسيج الحياة المعهدية بأكملها التي تمتد أربعًا وعشرين ساعة يوميًا. إن نموذج التعليم الشامل هذا يجعل من المعهد مختبرًا حقيقيًا لبناء الإنسان يتجاوز بكثير مجرد نقل المعارف الأكاديمية (Steenbrink, 1986).
٣. الحركة الكشفية ركيزةً أساسيةً لتربية الشخصية في المعهد
من أبرز ما كشف عنه الدكتور صفوان مناف في الندوة أن موقع الحركة الكشفية في دار النجاح ليس مجرد نشاط لاصفي اختياري، بل هو منهجية تربوية متكاملة مندمجة في كامل المنظومة التعليمية للمعهد. فبخلاف معظم المؤسسات التعليمية التي تضع الكشافة في خانة الاختيار، تُلزم دار النجاح جميع طلابها دون استثناء بالمشاركة في البرنامج الكشفي. وقد حضرت الحركة الكشفية في دار النجاح منذ تأسيسها، بل منذ عام ١٩٦١م في دار النجاح بيتوكانغان، قبل انتقال المعهد إلى موقعه الحالي في أولوجامي بجنوب جاكرتا (Manaf, 2015). وبهذا النهج، تعمل الكشافة بوصفها وعاءً لبناء الشخصية طوال العام عبر برنامج أنشطة منتظم: أسبوعي وشهري وفصلي وسنوي. ويُخصَّص يوم الخميس من كل أسبوع يومًا لارتداء الزي الكشفي لجميع منسوبي المعهد، مما يؤكد أن الكشافة جزء لا يتجزأ من الهوية المؤسسية (darunnajah.com, 2023).
يحمل جميع المعلمين والمعلمات البالغ عددهم ١,٣٠٠ في منظومة دار النجاح شهادات كشفية معتمدة، سواء دورة المهارة الأساسية أو دورة المهارة المتقدمة. وقد استقطبت هذه النقطة اهتمامًا بالغًا من الدكتورة لبنى أبو سرحان، التي أكّدت في تعقيبها أن نموذج دار النجاح — حيث يكون جميع الكوادر التعليمية قادة كشفيين مؤهلين — يمثّل قدوة جديرة بأن يتبنّاها العالم العربي. وأوضحت الدكتورة لبنى صراحةً أن دار النجاح تملك جامعة مرتبطة بالمعهد يعمل فيها جميع الموظفين كقادة كشفيين مدرّبين ومؤهّلين، وهو نموذج متميز يمكن نقله إلى العالم العربي بوصفه نهجًا إداريًا راقيًا قادرًا على تنمية العضوية الكشفية التي يُسعى إليها دومًا (Abu Sarhan, 2026). فالمعلمون لا يقتصر دورهم على التدريس في الفصول، بل يتولّون أيضًا الإشراف الكشفي ومرافقة الطلاب في مختلف الأنشطة الميدانية العملية (Lickona, 1991).
يُعدّ المخيم السنوي المعروف بـ”بيركوتسي” (مخيم خطبة العرش) الذي يُقام منذ عقود، ميدانًا للطلاب القدامى والجدد لصقل مهاراتهم الكشفية واكتشاف قدراتهم الذاتية. ويندرج هذا المخيم ضمن أسبوع الرياضة والفنون والكشافة الذي يمثّل تقليدًا مميزًا لدار النجاح (Manaf, 2015). كما أوضح الدكتور صفوان مناف أن البرنامج الكشفي في دار النجاح يشمل مخيمات سنوية، ودورات كشفية متقدمة، ومعسكرات تأسيسية في مطلع العام الدراسي، فضلًا عن المشاركة الفاعلة في الأنشطة الكشفية المحلية والدولية. وتُصمَّم هذه البرامج بأكملها لإكساب الطلاب خبرة مباشرة عبر التعلّم بالممارسة، مما يُرسّخ شخصيتهم القيادية واستقلاليتهم (Cibro et al., 2024).
إن قيم “داسا دارما” الكشفية التي تتضمن تقوى الله سبحانه وتعالى، وحب الطبيعة والعطف على الإنسان، والوطنية، والانضباط، والشجاعة، والمسؤولية، تتقاطع فلسفيًا وبشكل عميق مع مبادئ التربية الإسلامية التي ينتهجها المعهد. فالمبادئ الأساسية للكشافة التي تؤكد على الإيمان والتقوى، والاهتمام بالوطن، والعناية بالكائنات الحية والطبيعة، تتوافق مع مفهوم “رحمة للعالمين” الذي يمثّل روح التعليم في المعهد (Saada, 2020). وكما جاء في الدليل الكشفي، فإن التربية الكشفية هي عملية تعلّم ذاتي تدريجي للشباب لتطوير شخصيتهم الكاملة بجوانبها العقلية والأخلاقية والروحية والعاطفية والاجتماعية والفكرية والبدنية. إن هذا التلاقي القِيَمي هو الذي يجعل من دمج الكشافة والمعهد ليس مجرد مزاوجة بين نظامين، بل توحيدًا عضويًا بين منهجية التعلّم بالعمل التي أرساها بادن باول وتقاليد تربية الشخصية في المعهد الإسلامي.
٤. البعد الدولي والشراكات الاستراتيجية
شكّلت هذه الندوة لحظة استراتيجية لدار النجاح لعرض تجربتها الدولية أمام جميع ممثلي الدول العربية. فعلى مدار أكثر من ثلاثين عامًا، أرسلت دار النجاح وفودًا كشفية إلى أكثر من خمس عشرة دولة، من بينها ماليزيا واليابان وكوريا الجنوبية وتايلاند ومصر ومختلف دول الشرق الأوسط. وفي عام ٢٠٢٥م، أوفدت دار النجاح ٤٣٥ كشّافًا للمشاركة في المخيم الكشفي الإسلامي العالمي بمناسبة الذكرى المئوية لتأسيس المعهد العصري دار السلام كونتور في جاكرتا، وهو إنجاز ضخم يعكس القدرة التنظيمية والالتزام الدولي للمعهد (darunnajah.com, 2025). علاوة على ذلك، تُعرف دار النجاح بريادتها في إطلاق حركة الكشافة المحجّبة في إندونيسيا، وهي مبادرة أصبحت ظاهرة وطنية بل ودولية (Manaf, 2015).
وأوضح الدكتور صفوان مناف أن طلاب دار النجاح شاركوا في مخيمات كشفية دولية في عدة دول منها ماليزيا، مع خطط مستقبلية — إن شاء الله — للمشاركة في المملكة المتحدة ودول أخرى. ومن البرامج التي نالت اهتمامًا خاصًا من المشاركين في الندوة: برنامج الكشافة البحرية الذي طوّرته دار النجاح. ويُدرّب هذا البرنامج الطلاب على المهارات البحرية والملاحية، بمدّة تتراوح بين أسبوعين وشهر كامل في عرض البحر — وهي تجربة تربوية استثنائية تُعزّز مهارات القيادة والاعتماد على النفس. ويكتسب هذا البُعد البحري أهمية بالغة بالنظر إلى كون إندونيسيا أكبر دولة أرخبيلية في العالم، كما يستقطب اهتمام الدول العربية ذات السواحل الممتدة (Izzati et al., 2022).
أظهرت المشاركة الفاعلة للوفود من الدول العربية الثماني عشرة أن نموذج دار النجاح يحمل دلالة عابرة للثقافات ذات أهمية كبرى. فقد أصغى مبعوثون من مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات والكويت وقطر وعُمان والبحرين واليمن والأردن وفلسطين ولبنان وسوريا والعراق وليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا إلى عرض مفصّل حول كيفية تحويل المعهد للحركة الكشفية من نشاط ترفيهي إلى أداة تربوية منهجية لبناء الشخصية (Tan, 2012). كما ريادت دار النجاح تنظيم المخيم الكشفي الوطني لطلاب المعاهد الإسلامية الذي يجمع آلاف الكشّافين من مختلف المعاهد في أنحاء إندونيسيا، مما يُنشئ شبكة أخوّة وتبادل خبرات بين المعاهد تُعزّز الحركة الكشفية الإسلامية على المستوى الوطني (Noor et al., 2008).
٥. تعقيب الدكتورة لبنى أبو سرحان: الكشافة منهجًا تربويًا مؤسسيًا
جاء التعقيب الأكثر عمقًا ومضمونًا في الندوة من الرائدة الكشفية الدكتورة لبنى أبو سرحان، رئيسة لجنة العلاقات الدولية بالاتحاد العربي للرواد الكشافة. وقد أبرزت الدكتورة لبنى ثلاثة مكونات استراتيجية استخلصتها من عرض الدكتور صفوان مناف. أما المكون الأول فهو ضرورة إصلاح الإدارة الكشفية العربية لتحقيق النجاح بتميّز. وأشادت الدكتورة لبنى بأن الدكتور صفوان مناف استطاع أن يتخطّى كل عقبات تعلّم اللغة العربية وإتقان مختلف المعارف على مدار سنوات ممتدة، حتى أصبح اليوم قامة كشفية عالمية يُفتخَر بها. وهذا الإنجاز، في نظرها، يعكس جودة القيادة التي يمكن أن تكون مصدر إلهام لتجديد منظومة إدارة الكشافة في الوطن العربي (Abu Sarhan, 2026).
أما المكون الثاني الذي شدّدت عليه الدكتورة لبنى فهو أن الكشافة منهج تربوي مؤسسي وليست مجرد نشاط إضافي. وأعلنت الدكتورة لبنى أنهم يؤمنون ويعملون ويسعون ويحتفلون بتعزيز المنهج الكشفي بوصفه منهجًا تربويًا تعليميًا، لكنهم بحاجة إلى إعادة مأسسة هذا المنهج من خلال المؤسسات الإدارية والتعليمية والأكاديمية. واستشهدت الدكتورة لبنى بما أكّده الدكتور صفوان من أن الحركة الكشفية قادرة على تعزيز وتعميق جميع المفاهيم التربوية المتعلقة بالتعلّم باللعب، والتعلّم بالمهارة، والتعلّم بالتجربة، والتعلّم التعاوني، وتعلّم الأقران — وهي استراتيجيات يتبنّاها العالم التربوي الحديث ويمكن للحركة الكشفية أن تُعزّزها إذا ما تبنّتها المؤسسات التربوية في الوطن العربي (Abu Sarhan, 2026; Hakim & Al Ma’sumah, 2025).
وقد نقلت الدكتورة لبنى رسالة صريحة إلى جميع المشاركين بأن كل طالب يجب أن يكون كشّافًا، وكل مدرسة يجب أن يكون جميع العاملين فيها — من مديرين ومعلمين — قادة كشفيين. وهذا التصريح يتبنّى مباشرةً فلسفة دار النجاح التي مارست هذا المبدأ طوال أكثر من ستة عقود. ويُثبت نموذج دار النجاح أنه حين تُدمج الكشافة دمجًا كاملًا في المنظومة التعليمية، فإن النتيجة لا تقتصر على تطوير مهارات الطلاب فحسب، بل تمتد إلى تحويل الثقافة المؤسسية بأسرها (Lickona, 1991; Lukens-Bull, 2005).
والمكون الثالث هو استمرارية التواصل. وأكّدت الدكتورة لبنى أن التواصل المنهجي والمستدام مع المنظمات الكشفية العالمية هو المفتاح الحقيقي للوصول إلى العالمية. وعلى الرغم من تباعد الأوطان وفصل الحدود، فإن تقنيات التواصل الرقمي — كما أثبتت هذه الندوة — تمثّل بديلًا ثريًا وغنيًا يحقّق نتائج كبيرة. وأعربت الدكتورة لبنى عن يقينها بأن كثيرًا من الحواجز قد أُزيلت في هذه الأمسية، وأن الغبشات قد زالت عن الأعين والأذهان حول حقيقة العمل الكشفي في بلد عظيم وكبير مثل إندونيسيا (Abu Sarhan, 2026).
٦. التوصيات الاستراتيجية: مذكرة التفاهم، ومناهج التدريب، ومعايير التكريم
قدّمت الدكتورة لبنى أبو سرحان صراحةً عددًا من التوصيات العملية للدكتور صفوان مناف. التوصية الأولى تتعلق بتوقيع مذكرة تفاهم بين الاتحاد العربي للرواد الكشافة وجامعة دار النجاح. وشدّدت الدكتورة لبنى على أن هذه الاتفاقية يجب أن تُلزم الطرفين بتبادل كبير ممنهج مُخطَّط له ومُوثَّق منهجيًا بأرشفة تُعزّز تحقيق نتائج هذا الاتفاق. واعتبرت الدكتورة لبنى أن هذه الاتفاقية نموذج للتعاون النوعي القائم على تبادل الخبرات والمعرفة (Abu Sarhan, 2026).
أما التوصية الثانية فتتّصل بنقل مناهج التدريب الكشفي. وتقدّمت الدكتورة لبنى بطلبين محددين للدكتور صفوان: أولًا، حاجة الاتحاد العربي للرواد الكشافة إلى الاطلاع على مناهج التدريب الكشفي المعمول بها في دار النجاح، بدءًا من المرحلة التأسيسية، مرورًا بالمرحلة التمهيدية، وانتهاءً بدورات الشارة الخشبية. وأوضحت أن الواقع الكشفي في الوطن العربي اليوم يستدعي إعادة تطوير محتوى هذه المناهج وأدواتها بما ينسجم مع متغيرات العصر الحديث، لإعداد القادة الجدد وتدريب المنتسبين الجدد بأساليب حديثة وفعّالة. وأضافت أن التعاون التدريبي المشترك مع دار النجاح سيتيح دراسة هذه المناهج والاستفادة منها في تحديث البرامج التدريبية العربية، بما يحقّق نقلة نوعية في تأهيل القيادات الكشفية على مستوى الوطن العربي (Abu Sarhan, 2026; Jannah et al., 2024).
والتوصية الثالثة تخص تطوير معايير التكريم والأوسمة الكشفية. وأشارت الدكتورة لبنى إلى أن الدكتور صفوان مناف حاصل على أعلى وسام كشفي في إندونيسيا — وهو وسام الياسمين الذي منحه رئيس الجمهورية الإندونيسية في يوم الكشافة الرابع والخمسين، ١٦ أغسطس ٢٠١٥م (Manaf, 2015). وانطلاقًا من هذا الإنجاز، طرحت الدكتورة لبنى تساؤلًا استراتيجيًا: كيف يمكن للاتحاد العربي للرواد الكشافة أن يضع معايير لمنح الأوسمة الكشفية على مستوى الوطن العربي؟ وأكّدت أن الاتحاد يعمل على دراسة إمكانية استحداث وسام الوطن العربي في العمل الكشفي وعمل الرواد، وفق أسس ومعايير دقيقة تُكرّم الجهود المؤثرة والمستدامة، وتُعزّز ثقافة التقدير والاحتفاء بالعطاء الكشفي (Abu Sarhan, 2026).
٧. المنهج الخفي والدمج المنظومي للحركة الكشفية
أكّد عرض الدكتور صفوان مناف والأستاذ إمام خير الأنس أن نجاح دمج الحركة الكشفية في دار النجاح لا ينفصل عن مفهوم المنهج الخفي الذي يسري في جميع جوانب الحياة المعهدية. ففي دراسته حول المنهج الخفي لنظام تربية المعلمين الإسلامية بدار النجاح، أوضح كياهي الحاج هاديانتو عارف أن تربية الشخصية القيادية تمثّل أحد الأركان الأساسية التي تُعلّم الطالب الاستعداد للقيادة والاستعداد للانقياد، وفقًا لرؤية المعهد (Arief, 2020). ويُترجَم هذا المبدأ من خلال الكشافة، حيث يتعلّم الطلاب التنظيم وقيادة الفرق والتخطيط للأنشطة واتخاذ القرارات في مواقف ميدانية حقيقية (Hakim & Al Ma’sumah, 2025).
وتُظهر الدراسات الحديثة أن تطبيق المنهج الخفي في معاهد دار النجاح نجح في غرس قيم الاستقلالية والاعتماد على النفس لدى الطلاب من خلال أنشطة منظّمة تشمل التنظيم والكشافة وتنمية ريادة الأعمال (Nasrulloh, 2024). وفي إطار العادات السبع التي تبنّتها دار النجاح، تغدو الكشافة ميدانًا لممارسة عادات المبادرة، والبدء بالغاية في الذهن، والتفكير بالمكسب المشترك، والتآزر، ممارسةً مباشرة في سياق الحياة الواقعية (Arief, 2020). وتؤكّد دراسة فان بروينسن (٢٠٠٨) حول ديناميات المعاهد الإسلامية المعاصرة أن دمج التعليم غير النظامي كالكشافة في منظومة المعهد يُخرّج طلابًا لا يمتلكون الكفاءة الدينية فحسب، بل أيضًا المهارات الاجتماعية والقيادية التي تتكيّف مع متطلبات الحداثة.
كما يعكس نهج دار النجاح تجاه الكشافة نموذج تربية الشخصية الذي طرحه توماس ليكونا (١٩٩١) القائل بأن الشخصية الحسنة تتشكّل عبر ثلاثة أبعاد متداخلة: المعرفة الأخلاقية، والوجدان الأخلاقي، والسلوك الأخلاقي. ففي دار النجاح، يُكتسب بُعد المعرفة الأخلاقية من خلال التعليم الصفي، ويُنمّى الوجدان الأخلاقي عبر الحياة في السكن الداخلي والعبادة، بينما يُدرَّب السلوك الأخلاقي بشكل مكثّف من خلال الأنشطة الكشفية. وقد استعرض الدكتور صفوان مناف أيضًا أجواء شهر رمضان المبارك في المعهد، حيث يبدأ اليوم ببرنامج إيماني يتضمّن تلاوة القرآن الكريم والأذكار لمدة خمس وأربعين دقيقة تقريبًا قبل انطلاق الحصص الدراسية، إلى جانب برامج صلاة التراويح والأنشطة التعبدية التي تُعزّز التوازن بين العلم والعبادة. ويؤكّد عارفين (٢٠٢٤) أن هذا النموذج التعليمي يجعل من المعهد مختبرًا لبناء شخصية شمولية يصعب إيجاد نظيره في المنظومات المدرسية التقليدية.
٨. آفاق التعاون والاستدامة
ظلّ معهد دار النجاح الإسلامية، كما كتب صفوان مناف في منشوراته، متمسّكًا بمبدأ أن المعهد يجب أن يتحلّى بالجرأة للتنافس مع المؤسسات التعليمية الأخرى والاستعداد لمواجهة تحديات العولمة دون التخلي عن سماته التقليدية المميزة (Manaf, 2015). ويتوافق هذا المبدأ مع ما توصّل إليه ستينبرينك (١٩٨٦) من أن تحديث المعاهد الإسلامية في إندونيسيا كان دائمًا ذا طابع تكيّفي وانتقائي، يستقبل العناصر الجديدة التي تدعم الرسالة التعليمية دون التضحية بالهوية المؤسسية. والكشافة من هذا المنظور ليست مجرد تبنٍّ لبرنامج خارجي، بل استبطان لمنهجية اندمجت مع روح المعهد وتقاليده طوال أكثر من ستة عقود.
واختتمت الدكتورة لبنى أبو سرحان تعقيبها بعبارة بليغة لا تُنسى: إن هذه الأمسية ما غابت عنها الشمس، لأنها جاءت من إندونيسيا إلى بلاد العالم العربي تحمل معها قصة نجاح استثنائية. فمن النافذة الافتراضية تشعّ هذه الشمس وتنير بتجربة كشفية إسلامية ثرية تجمع هذه القامة القيادية — الدكتور صفوان مناف — بزملائه الرواد العرب ورواد العالم (Abu Sarhan, 2026). وأكّدت الدكتورة لبنى أن المرحلة المقبلة تتطلّب عملًا مؤسسيًا منظّمًا قائمًا على الشراكات الدولية وتبادل الخبرات وتطوير المناهج، بما يُعزّز مكانة الرواد العرب ويدعم حضورهم الفاعل في الحركة الكشفية العالمية.
وقد نال الرائد الكشفي أيمن عفيفي ثناءً كبيرًا على إدارته المتميزة والاحترافية للأمسية. وأشادت الدكتورة لبنى تحديدًا بإسهامات جميع أعضاء الفريق من خلف الكواليس — بما في ذلك الرائد الكشفي مهدي رشيد وفريق التقنية، والرائد الكشفي سالم رجب، والرائدة الكشفية آفيا فتح الله التي تمثّل الوطن العربي في منظمة الصداقة الكشفية العالمية — بوصفهم ركائز أساسية في نجاح تنظيم هذه الندوة. وأعلنت الدكتورة لبنى أنها لن تقول شكرًا وانتهى، بل شكرًا جزيلًا ونحن على موعد آخر جديد وقريب بإذن الله رب العالمين (Abu Sarhan, 2026).
٩. الخاتمة
تُمثّل الندوة الدولية المنعقدة في ١٥ فبراير ٢٠٢٦م بين معهد دار النجاح الإسلامية والاتحاد العربي للرواد الكشافة محطة فارقة في الدبلوماسية التعليمية الإسلامية في مجال الكشافة. فالعرض الذي قدّمه الأستاذ المشارك الدكتور كياهي الحاج صفوان مناف الماجستير، بمرافقة الأستاذ إمام خير الأنس الماجستير، أمام ممثلي ثماني عشرة دولة عربية، أثبت أن نموذج دمج الكشافة والمعهد الذي تتبنّاه دار النجاح يحمل قيمة عالمية ذات صلة بتطوير تربية الشخصية في العالم الإسلامي بأسره (Mujahid, 2021). وقد عزّز التعقيب المعمّق للدكتورة لبنى أبو سرحان — التي حددت ثلاثة مكونات استراتيجية: إصلاح الإدارة، ومأسسة الكشافة كمنهج تربوي، واستمرارية التواصل — من أهمية تجربة دار النجاح بوصفها نموذجًا جديرًا بالتبنّي على الصعيد العالمي.
إن نجاح دار النجاح في تحويل الكشافة من نشاط تكميلي إلى منهجية تربوية جوهرية يُقدّم درسًا قيّمًا مفاده أن التآزر بين تقاليد التعليم الإسلامي والحركة الشبابية العالمية قادر على إنتاج منظومة تعليمية تصنع الإنسان المتكامل: المؤمن ذي الشخصية القوية والرؤية العالمية (Zainuri, 2025; Izzati et al., 2022). وتُشكّل خبرة دار النجاح الممتدة لأكثر من ستة عقود في دمج الكشافة ضمن نظام تربية المعلمين الإسلامية والمنهج الخفي رصيدًا ثمينًا يستحق الدراسة والتكييف والتطوير من قِبَل المؤسسات التعليمية الإسلامية في الدول العربية وسائر بلدان العالم الإسلامي، سعيًا لإعداد جيل شاب ذي شخصية صلبة مستعدّ لمواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين. وكما أكّدت الدكتورة لبنى أبو سرحان، فإن التعليم الحقيقي لا يقتصر على نقل المعرفة، بل يتجاوزه إلى صناعة الإنسان وبناء أجيال قادرة على حمل القيم وخدمة المجتمع والتفاعل الإيجابي مع العالم (Abu Sarhan, 2026).
قائمة المراجع
Abu Sarhan, L. (2026, February 15). Closing remarks of the Head of International Relations Committee at the Arab Union for Scout Pioneers webinar with Pesantren Darunnajah [Virtual speech transcript]. Arab Union for Scout Pioneers and Guides.
Arief, H. (2020). Hidden curriculum sistem Muallimin (TMI) Darunnajah. darunnajah.com. https://darunnajah.com/hidden-curriculum-sistem-muallimin-tmi-darunnajah/
Arifin, Z. (2024). Integrating character education in Islamic boarding schools: A systematic review. International Journal of Scientific Research and Management, 12(3), 1245–1260.
Cibro, S. R., Lubis, M. A., & Harahap, N. (2024). Integration of scouting activities in character building at Islamic boarding schools. Fitrah: Journal of Islamic Education, 5(1), 89–104.
darunnajah.com. (2023). Profil Pondok Pesantren Darunnajah Jakarta. https://darunnajah.com/profil-darunnajah/
darunnajah.com. (2025). Perkemahan Pramuka Santri Islam Sedunia 2025. https://darunnajah.com/
Dhofier, Z. (1999). The pesantren tradition: The role of the kyai in the maintenance of traditional Islam in Java. Arizona State University Program for Southeast Asian Studies.
Hakim, L., & Al Ma’sumah, D. (2025). Scouting-based character education in pesantren: Pedagogical framework and outcomes. Edu Global: Journal of International Education, 4(1), 15–32.
Hefner, R. W. (2009). Making modern Muslims: The politics of Islamic education in Southeast Asia. University of Hawaii Press.
Izzati, N., Wahyuni, S., & Hidayat, R. (2022). The role of extracurricular scouting activities in developing student character in Islamic educational institutions. Journal of Social Studies Education Research, 13(2), 145–168.
Jannah, M., Rahman, A., & Fitri, N. (2024). Collaborative models of scouting education in Islamic schools across Southeast Asia. International Journal of Educational Innovation, 6(2), 78–95.
Lickona, T. (1991). Educating for character: How our schools can teach respect and responsibility. Bantam Books.
Lukens-Bull, R. A. (2005). A peaceful jihad: Negotiating identity and modernity in Muslim Java. Palgrave Macmillan.
Manaf, S. (2015). Sambutan Pimpinan Pondok Pesantren Darunnajah pada upacara pembukaan Perkemahan Khuthbatul Arsy ke-27. Sofwanmanaf.wordpress.com. https://sofwanmanaf.wordpress.com/
Mujahid, I. (2021). Pesantren education and the formation of Muslim youth identity in globalized Indonesia. Indonesian Journal of Islam and Muslim Societies, 11(1), 1–28.
Nasrulloh, M. M. (2024). Implementasi hidden curriculum tentang nilai kemandirian di Madrasah Aliyah Darunnajah 2 Cipining Bogor. Journal of International Multidisciplinary Research, 2(3), 29–33.
Noor, F. A., Sikand, Y., & van Bruinessen, M. (Eds.). (2008). The madrasa in Asia: Political activism and transnational linkages. Amsterdam University Press.
Saada, N. (2020). Educating for global citizenship in religious schools: The case of Islamic schools. Globalisation, Societies and Education, 18(5), 532–545.
Sofwanmanaf.id. (2026). Publikasi & academic works. https://sofwanmanaf.id/publikasi/
Steenbrink, K. A. (1986). Pesantren, madrasah, sekolah: Pendidikan Islam dalam kurun moderen. LP3ES.
Tan, C. (2012). Islamic education and indoctrination: The case in Indonesia. Routledge.
van Bruinessen, M. (2008). Traditionalist and Islamist pesantrens in contemporary Indonesia. In F. A. Noor, Y. Sikand, & M. van Bruinessen (Eds.), The madrasa in Asia (pp. 217–245). Amsterdam University Press.
Zainuri, A. (2025). Benchmarking character education models in Islamic boarding schools: Lessons from Indonesian pesantren. Benchmarking: An International Journal, 32(1), 112–130.